22 مايو، 2012

عن العنف في تاريخ الجماعة .. ليسوا إخواناً.. ليسوا مسلمين بل إرهابيون










بدأت جماعة الإخوان المسلمين في تنفيذ خطة استراتيجية لتنظيف سمعتها من تهمة الإرهاب، وإعادة الاعتبار لأفكار سيد قطب، فقد أكد محمد بديع المرشد الثامن للجماعة في أكثر من مناسبة أن الجماعة لم تستخدم العنف إلا في مواجهة الصهاينة علي أرض فلسطين، والإنجليز علي أرض مصر، وبخاصة في مدن القناة، مشدداً علي أن الجماعة لن تستخدم العنف مستقبلاً سوي ضد أعداء الإسلام.
الغريب أن نفس الكلام ذكره من قبل «محمود الصباغ» أحد قادة النظام الخاص في كتابه المهم الذي قدم له المرشد العام الخامس مصطفي مشهور «حقيقة التنظيم الخاص» يقول الصباغ: «الإرهابيون نوعان.. إرهابيون لأعداء الله وهم أرق الناس قلوباً وأرهفهم حساً.. وإرهابيون لأحباب الله وهؤلاء هم أغلظ الناس قلوباً وأكثرهم قسوة ووحشية».
هذا «المفهوم» شكل المنطق الذي استندت إليه الجماعة في الدفاع عن إرهابها وعن نظامها الخاص، فهم يرددون أحياناً أنه أنشئ في مواجهة الإنجليز والصهاينة، وفي أحيان أخري يوسعون الدائرة فيقولون إنه أنشئ لاستهداف أعداء الله، وتبقي المشكلة في تحديد من هم أعداء الله: حيث يقرر الإخوان في أغلب المواقف أن «أعداء الله» هم بالتحديد «أعداء الجماعة».

> البدايات:

لقد شكلت قضية موقف الإخوان من العنف والإرهاب مرتكزاً أساسياً لأغلب الدراسات التي كتبت في تاريخ الإخوان، جلها حملت مبررات عديدة لهذا النوع من استخدام العنف في السياسة.
ونستطيع رصد بدايات تشكل النظام الخاص للجماعة، بالتقريب بين أعوام «1942-1940»، فقد تضخمت جماعة الإخوان المسلمين إبان حكومة الوفد «1942-1944» بشكل هائل، وتحولت إلي قوة مليونية مستغلة في ذلك ما قامت به من اتفاق غير معلن مع الحزب الحاكم يتيح لها العمل بحرية في أنحاء البلاد شريطة عدم اللجوء إلي العنف، وفي محاولة من الجماعة لاستيعاب التوسع التنظيمي خلال تلك الفترة، قام البنا باستحداث «نظام الأسَر» في هيكليتها التنظيمية، وهو نوع من الخلايا التي لا يزيد عدد أعضاء كل منها علي خمسة أعضاء، ويبدو أن مؤسس الإخوان شكل خلال هذه الفترة «النظام الخاص» أو ما سيعرف خارج الجماعة بـ«الجهاز السري» ولكن لا يوجد تاريخ دقيق لبدء تشكيل هذا النظام، ومما يشير إلي عدم الدقة في تحديد متي أنشئ الجهاز الخاص أن أعضاء الإخوان أنفسهم حددوا تاريخ إنشاء هذا الجهاز ما بين 1930 و1947، وهو ما يدل علي غموضه وسريته التامة.
ويشير البعض إلي أن البنا حدد وظائف هذا التشكيل بـ«شن الحرب علي الاستعمار البريطاني، وقتال الذين يخاصمون الجماعة وردعهم، وإحياء فريضة الجهاد، وهو ما يعني أن البنا قد فكر لأول مرة في إيجاد تشكيل مؤسساتي، يتصدي لمن يخاصم الدعوة ويردعه».
تألف النظام الخاص من ثلاث شعب أساسية هي: التشكيل المدني، وتشكيل الجيش، وتشكيل البوليس، وألحقت بالنظام تشكيلات تخصصية مثل «جهاز التسليح» وجهاز الأخبار، وقد عمل الجهاز الأخير كجهاز استخباري للجماعة.
ويعتبر الكثير من المؤرخين أن إنشاء «النظام الخاص» جاء كتطور منطقي وطبيعي لفكر حسن البنا، ففي رسالة المؤتمر الخامس 1938 يجيب البنا في وضوح وجلاء عن سؤال: «هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلي غايتهم؟.. بالقول: «الإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء ولابد أن يعملوا في قوة».

> الإخوان المسلمون والإرهاب:

عندما صدر قرار حل الجماعة بتاريخ 8 ديسمبر سنة 1948 أرفقت به مذكرة تفسيرية تورد بعضاً مما ارتكبته الجماعة من أعمال إرهابية، ورد مرشد العام - آنذاك - حسن البنا بمذكرة مضادة علي طريقة «ومن خدع الحرب أن يضلل المسلم عدو الله بالكلام حتي يتمكن منه فيقتله» وهي أحد تعبيرات البنا الشهيرة، ولكن فضيلة المرشد لم يدرك ساعتها أن بعضاً من رجاله سوف يأتون في زمن لاحق فيذكرون الحقيقة كاملة ليضعوه بعد رحيله بسنوات عديدة في مأزق الاتهام بالكذب.
جاء في المذكرة التفسيرية حول حوادث إلقاء قنابل علي عدد من أقسام الشرطة بالقاهرة مايلي: «كما وقعت بتاريخ 24 ديسمبر سنة 1946 حوادث إلقاء قنابل انفجرت في عدة أماكن بمدينة القاهرة وضبط من مرتكبيها اثنان من جماعة الإخوان قدما لمحكمة الجنايات فقضت بإدانة أحدهما في الجناية 767 لسنة 1946 قسم عابدين».
وفي معرض رده علي هذا الاتهام يقول البنا: «والشخص الذي أدين في قضية الجناية رقم 767 لسنة 1946 قسم عابدين بمناسبة حوادث 24 ديسمبر 1946 لم يثبت أنه أمر بهذا من قبل الإخوان أو اشترك معه فيه أحد منهم، وقد كانت هذه الحوادث شائعة في ذلك الوقت بين الشباب بمناسبة الفورة الوطنية التي لازمت المفاوضات السابقة، ولقد حدث بالإسكندرية أكثر مما حدث بالقاهرة، وضبط من الشباب عدد أكبر وصدرت ضدهم أحكام مناسبة، ولم يقل أحد إنهم من الإخوان المسلمين فتحمل الهيئة تبعة هذا التصرف الذي لاحق فيه ولا مبرر له».
وبعد أربعين عاماً بالتمام والكمال يأتي واحد من تلاميذ البنا وعضو من أعضاء النظام الخاص ليكذبه صراحة، يروي «محمود الصباغ» في كتابه «حقيقة التنظيم الخاص» الحقيقة كاملة فيقول: «كان لابد للنظام الخاص وقد تطورت الأمور إلي هذا الحد أن يري كل من الحكومة والإنجليز أن محاولاهما لتقنين احتلال الإنجليز لمصر لن تمر دون قتال مسلح فعمد إلي تفجير قنابل في جميع أقسام البوليس في القاهرة يوم 3/12/1946م بعد العاشرة مساء وقد روعي أن تكون هذه القنابل صوتية، بقصد التظاهر المسلح فقط دون أن يترتب علي انفجارها خسائر في الأرواح، وقد بلغت دقة العملية أنها تمت بعد العاشرة مساء في جميع أقسام البوليس، ومنها أقسام بوليس الموسكي والجمالية والأزبكية ومصر القديمة ونقطة بوليس السلخانة، ولم يضبط الفاعل في أي من هذه الحوادث، فاشتد رعب الحكومة من غضبة الشعب، وفكرت كثيراً قبل إبرام ما عزمت عليه، ثم توالي إلقاء القنابل علي أقسام بوليس عابدين والخليفة ومركز إمبابة».

> تفجير الملك جورج ومراوغة البنا:

وتمضي المذكرة لتذكر حادثاً آخر ولكن هذه المرة مع اختلاف الزمان والمكان، ففي عام 1947 حاول الإخوان المسلمون تفجير فندق «الملك جورج» بالاسماعيلية، تقول مذكرة حل الجماعة «وثبت في تحقيق الجناية رقم 4726 لسنة 1947 أن أحد أفراد جماعة الإخوان قد ألقي قنبلة بفندق الملك جورج بتلك المدينة فانفجرت وأصيب من شظاياها عدة أشخاص كما أصيب ملقيها نفسه بإصابات بالغة».. ويرد البنا في ثقة «الجناية رقم 4726 لسنة 1947، ثبت أن الذي اتهم فيها غير مسئول عن عمله، وسقط الاتهام ضده، ومازال في المستشفي إلي الآن، فما وجه الاستشهاد بها في مذكرة رسمية؟ وهل تكون هيئة الإخوان مسئولة عن عمل شخص يتبين أنه هو نفسه غير مسئول عن عمله؟!
وهذه المرة نلجأ لرجل آخر من تلاميذ البنا هو «صلاح شادي» رئيس جهاز الوحدات الذي يذكر «حصاد العصر».. «والتقي أمرنا داخل قسم الوحدات علي القيام بعملية إرهاب داخل فندق الملك جورج، وكلفنا الأخ رفعت النجار من سلاح الطيران بالقيام بهذه العملية بأن يحمل دوسيهاً له مادة ناسفة يشعلها ثم يتركها في ردهة الفندق إلي جوار الحائط خلف ستارة مدلاة علي حائط الردهة ثم ينهض بعد ذلك ويمضي خارج الفندق».. ويضيف شادي: «جري التنفيذ علي أحسن وجه، ولكن ظهر للأخ رفعت عند مغادرته المكان أحد رجال المخابرات من الحراس الإنجليز، الذي أثار شكوكه هذا الدوسيه المتروك، فتوجه الحارس ليمسك به، في حين أصر الأخ رفعت علي إنجاز التفجير، فعاد إلي الدوسيه وأمسكه بيديه، ومنع اقتراب أي شخص منه حتي يتم التفجير في أثناء إمساكه به وليكن ما يكون».. وشاءت الأقدار أن يصاب المنفذ في الحادث ويقبض عليه، ولما كانت التهمة ثابتة عليه فإن صلاح شادي يعترف صراحة: «وأحضرنا له بعض الأخوة المحامين الذين دفعوا بأن قدراته النفسية والعقلية لا تضعانه في مستوي المسئولية الجنائية».. وهو ما ذكره البنا في المذكرة بالحرف، في الوقت الذي يعلم فيه أسرار القصة كاملة.

> حادث الجبل:

هكذا عرف به في أدبيات الإخوان، حيث اعتادت كوادر النظام الخاص علي التدريب علي استخدام الأسلحة في منطقة جبل المقطم، وتذكر مذكرة حل الجماعة أنه «في 19 يناير سنة 1948 ضبط خمسة عشر شخصاً من جماعة الإخوان المسلمين بمنطقة جبل المقطم يتدربون علي استخدام الأسلحة النارية والمفرقعات والقنابل وكانوا يحرزون كميات كبيرة من هذه الأنواع وغيرها من أدوات التدمير والقتل».. ويرد البنا: «هؤلاء الخمسة عشر الذين ضبطوا بعضهم من الإخوان ومعظمهم لا صلة له بالإخوان أصلاً، ولقد برروا عملهم بأنهم يستعدون للتطوع لإنقاذ فلسطين حينما أبطأت الحكومة في إعداد المتطوعين وحشد الجماهير، وقد قبلت الحكومة منهم هذا التبرير وأفرجت عنهم النيابة في الحال، فما وجه إدانة الإخوان في عمل هؤلاء الأفراد خصوصاً وقد لوحظ أنه نص في قرار النيابة بأن الحفظ لنبل المقصد وشرف الغاية».
ويأتي عام 1987 وينكشف المستور ففي كتابه «النقط فوق الحروف» يشرح «أحمد عادل كمال» أحد أقطاب النظام الخاص في جماعة الإخوان المسلمين قصة حادث الجبل بالتفصيل يقول: «كلفنا بالبحث عن مكان مناسب بجبل المقطم يصلح للتدريب علي استخدام الأسلحة والمفرقعات، فكان جبل المقطم فهو لا يحتاج إلي إجازات أو سفر، والمطلوب أن يكون المكان موغلاً في الجبل ميسور الوصول إليه بالسيارة، وأن يكون صالحاً كميدان ضرب نار، وأن يكون مستوراً عن العين، وأن يكون به ما يصلح أبراج مراقبة للحراسة، وبدأ التدريب في ذلك الموقع بمعدل مجموعتين في اليوم الواحد، مجموعة تذهب مع الفجر حتي العصر وأخري تذهب مع العصر وتعود مع الفجر، وكان الذهاب والعودة يتم بسيارة ستيشن واجن، وكان الترتيب ألا تري مجموعة الأخري، وأن يكون هناك بصفة دائمة في مكان مرتفع من يرقب المجال حول الموقع بمنظار مكبر، هذا الحارس كان في استطاعته أن يري أي سيارة قادمة بسرعة قبل أن تصل بثلث ساعة علي الأقل، وكانت هناك حفر معدة ليوضع بها كل السلاح والذخيرة ويردم عليها لدي أول إشارة وبذلك تبقي المجموعة في حالة معسكر وليس معها ممنوعات قانونية».. ويضيف كمال: «واستمر ذهاب المجموعات وعودتها بمعدل مرتين كل يوم ولمدة طويلة حتي صنعت السيارة مدقاً واضحاً مميزاً في الجبل.. وحتي لفت منظر الحجارة في محاجر الجبل بأول الطريق الانتباه إليها، وبلغ الخبر إلي البوليس ونحن لا نشعر، وكان مسئول التدريب يدرب مجموعة هناك، ومن تكرار التدريب في أمن وسلام فقد تغاضي عن حذره فتجاوز عن وضع الحارس مكانه ولم يشعر والمجموعة معه إلا بقمم الجبل حوله قد ظهرت من فوقها قوات البوليس شاهرة سلاحها وتطالبهم بالتسليم وهم منهمكون في تدريبهم، كان ذلك يوم 19/1/1948 ونشرت الصحف الخبر».. ونأتي إلي النقطة المهمة في شهادة كمال حيث يؤكد: «وحتي هذه الحالة كان هناك إعداد لمواجهتها، أجاب إخواننا المقبوض عليهم بأنهم متطوعون لقضية فلسطين، وهي إجابة كان متفقاً عليها، وفي نفس الوقت كانت هناك استمارات بأسمائهم تحرر في مركز التطوع لقضية فلسطين، كما تم اتصال بالحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا وشرحنا له الوضع علي حقيقته، وكان متجاوباً معنا تماماً، فأقر بأن المقبوض عليهم متطوعون من أجل فلسطين وأن السلاح سلاح الهيئة، وبذلك أفرج عن الإخوان وسلم السلاح إلي الهيئة العربية العليا».. هكذا تشارك إخوان مصر بقيادة البنا وإخوان فلسطين بقيادة مفتي القدس أمين الحسيني، في خداع السلطات المصرية التي أفرجت عن الشباب لنبل المقصد وشرف الغاية، ولم يكتف البنا بذلك ولكنه راح يسجلها نقطة لصالح جماعته ببجاحة يحسد عليها، كما يفعل الآن أحفاده.
وينهي عادل كمال شهادته بالقول: «ومع ذلك فقد كان للحادث أثر بعيد ذلك أنه عثر مع المسئول عن المجموعة - رحمه الله - علي كشف اشتهر فيما بعد بأنه «كشف الجبل» يحوي مائة اسم من أسماء إخوان النظام الخاص وأرقامهم السرية مرتبين في مجموعات، هي المجموعات التي كان مزمعاً تدريبها تباعاً من منطقة جنوب القاهرة، ولم يعلم أحد من المسئولين عن النظام في حينها شيئاً عن «كشف الجبل»، ولم يذكره المسئول، ولكن ذلك الكشف ظهر بعد ذلك في القضايا وكان من قرائن الاتهام القوية، فضلاً عن أنه كشف الأسماء التي احتواها.
> نسف محكمة الاستئناف:
في هذه العملية قام عدد من كوادر الجهاز الخاص بمحاولة لنسف محكمة استئناف القاهرة والتي كان يحفظ فيها أوراق ما عرف بقضية «السيارة الجيب» التي كان علي رأس المتهمين فيها «مصطفي مشهور» - أحد قادة النظام الخاص، ومرشد الجماعة الخامس فيما بين عام 1996 وعام 2002 - وحكاية السيارة الجيب معروفة، حيث تم ضبط مصطفي مشهور يقود سيارة محملة بأسلحة وقنابل كان النظام الخاص يستخدمها في التدريبات، بالإضافة إلي بعض الأوراق تحتوي علي خطط واستراتيجيات الجماعة، وقد أنكر البنا - في بيان وزع علي الصحفيين آنذاك - أن يقوم أحد الإخوان بهذه الفعلة الشنيعة، ولكن السنوات تأتي بما لم يكن يشتهي البنا، يقول محمود الصباغ حول هذا الحادث: «وبعد نجاح السرية في هذا العمل الفدائي، نظر السيد فايز في كل ما تنسبه الحكومة إلي الإخوان من جرائم باطلة، مدعية أنها تستند في كل ما تدعيه إلي حقائق صارخة في المستندات والوثائق المضبوطة في السيارة الجيب، وكان يعلم يقيناً بكذب هذه الافتراءات، ودليل ذلك ما ذكره عبدالمجيد أحمد حسن بعد أن قرر الاعتراف علي زملائه، واستندت إليه المحكمة في براءة النظام الخاص مما وجه إليه من اتهامات - ولم يساوره شك في أن الحكومة قد زورت وثائق وقدمتها للنيابة لتدين الإخوان بما ليس فيهم من جرائم واتهامات باطلة، فقرر حرق هذه الأوراق وكون سرية لهذا الغرض بقيادة الأخ شفيق أنس، وقد رسمت الخطة علي النحو الذي ظهر في تحقيقات القضية المسماة زوراً وبهتاناً قضية محاولة نسف المحكمة، وحقيقتها أنها كانت محاولة حرق أوراق قضية السيارة الجيب، وتمكن شفيق أنس من أن يضع حقيبة مملوءة بالمواد الحارقة معدة للانفجار الزمني بجوار دولاب حفظ أوراق قضية السيارة الجيب، إلا أن قدر الله قد مكن أحد المخبرين من ملاحظة شفيق، وهو يترك الحقيبة ثم ينصرف نازلاً علي درج المحكمة، فجري مسرعاً وحمل الحقيبة وجري بها خلف شفيق، الذي أسرع في الجري حتي لا تنفجر الحقيبة علي سلم المحكمة أو وسط حشود الداخلين في بهوها، ولما خرج إلي الميدان حذر المخبر من الحقيبة، فتركها فانفجرت في ساحة الميدان دون إحداث خسائر تذكر، وقبض علي شفيق».
> ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين:
اعتراضاً علي قرار حل الجماعة قام الجهاز الخاص بوضع خطة لاغتيال رئيس الحكومة - آنذاك - محمود فهمي النقراشي باشا، وكان يشغل وقتها بجانب رئاسته للحكومة منصب وزير الداخلية، ففي يوم 28/12/1948 تنكر الإخواني عبدالمجيد أحمد حسن في زي ضابط بوليس، واقترب من رئيس الوزراء ووزير الداخلية أثناء دخوله لمبني الوزارة مطلقاً عليه ثلاث رصاصات أدت إلي وفاته علي الفور، ولم تمر ساعات قليلة إلا وكان مرشد الجماعة حسن البنا قد خط بياناً بعنوان «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين».. زعم مقربون منه أن البيان كتب قبل يومين من الحادث، قال فيه: «لقد وقعت أحداث نسبت إلي بعض من دخلوا هذه الجماعة دون أن يتشربوا روحها، وتلا أمر حل الإخوان ذلك الحادث المروع حادث اغتيال دولة رئيس الحكومة المصرية محمود فهمي النقراشي باشا، الذي أسفت البلاد لوفاته وخسرت بفقده علماً من أعلام نهضتها وقائداً من قادة حركتها ومثلاً طيباً للنزاهة والوطنية والعفة من أفضل أبنائها، ولسنا أقل من غيرنا أسفاً من أجله وتقديراً لجهاده وخلقه».
الغريب أن المتهم بعد أن أنكر صلته بالإخوان وأصر علي أنه قام بتنفيذ العملية من تلقاء نفسه، عاد واعترف بدور الجماعة في العملية فور سماعه لبيان المرشد العام، وبعيداً عن اعتراف الشاب بمسئولية الإخوان الذي قد يدفع البعض بأنه جاء تحت وقع التعذيب أو التهديد يعترف محمود الصباغ بعد أربعين عاماً علي الحادث في كتابه السابق الاشارة إليه وفي معرض حديثه عن مقتل النقراشي باشا بأن العملية جاءت من باب حماية الدعوة، في اشارة إلي قرار النقراشي بحل الجماعة ويواصل «وبدأ السيد فايز - مسئول الجهاز الخاص آنذاك - المعركة برأس الخيانة محمود فهمي النقراشي، وقد كون فايز خلية من محمد مالك وشفيق أنس وعاطف عطية حلمي والضابط أحمد فؤاد وعبدالمجيد أحمد حسن ومحمود كامل، لهذا الغرض، وبفخر يقول الصباغ: ونجح عبدالمجيد أحمد حسن في قتل النقراشي في مركز سلطانه ووسط ضباطه وجنوده وهو يدخل مصعد وزارة الداخلية».
ولم يتوقف الإخوان بعد اغتيال النقراشي ورأوا أن إبراهيم باشا عبدالهادي امتداد للنقراشي ومن ثم قرر الإخوان الفدائيون! - هكذا يصفهم الصباغ - اغتيال إبراهيم باشا، وبالفعل كمنوا له في يوم 5 مايو 1949 في الطريق إلي رئاسة مجلس الوزراء واطلقوا عليه وابلاً من الطلقات أصابت بعض المارة وكذلك الموقف الذي اعتقدوا أنه خاص بإبراهيم باشا، ولكنه كان موكب حامد جودة رئيس مجلس النواب الذي لم يصب بأي أذي، وبعد القبض علي منفذي العملية بدأت محاكمتهم التي استمرت حتي قيام ثورة يوليو واعتبر بعدها المتهمون أبطال تحرير وصدر عنهم جميعاً عفو شامل.
> الثورة والإخوان والعنف:
المثير للدهشة وبينما كان يردد الإخوان أن جهازهم الخاص أنشئ من أجل محاربة الصهيونية ومواجهة الإنجليز، وبعد خروج الإنجليز من مصر وقيام حكومة تحارب الصهيونية 1954، كان الجهاز السري يعزز وجوده بل ويلقي بظلاله علي الجماعة كلها، فقد «كون المرشد قبيل سفره إلي الأقطار العربية في أوائل يوليو 1954 لجنة قيادية مهمتها مواجهة موقف الحكومة من الإخوان بما يلزم ما تهيئة قدراتهم علي ضوء الأحداث» وهذا طبيعي، لكن المثير للدهشة هو تكوين اللجنة، فاللجنة مكونة من يوسف طلعت «قائد الجهاز السري»، صلاح شادي «المشرف علي الجهاز السري وقائد قسم الوحدات وهو جهاز سري أيضاً»، والشيخ فرغلي «صاحب مخزن السلاح الشهير بالاسماعيلية»، ومحمود عبده «وكان من المنغمسين في شئون الجهاز السري القديم».
ماذا كان يريد المرشد العام الثاني إذن، وإلي ماذا كان يخطط خاصة أن الجهاز السري الذي زعم حسن البنا - ومازال الإخوان يزعمون - أنه أسس لمحاربة الاستعمار، قد تغيب تماماً عن معارك الكفاح المسلح في القنال 1954، وقد تنصل المرشد العام المستشار الهضيبي من أية مشاركة فيه، وقال: «كثر تساؤل الناس عن موقف الإخوان المسلمين في الظروف الحاضرة، كأن شباب مصر كله قد نفر إلي محاربة الإنجليز في القنال، ولم يتخلف إلا الإخوان.. ولم يجد هؤلاء للإخوان عذراً واحداً يجيز لهم الاستبطاء بعض الشيء.. إن الإخوان لا يريدون أن يقولوا ما قال واحد منهم - ليس له حق التعبير عنهم - إنهم قد أدوا واجبهم في معركة القنال فإن ذلك غلو لا جدوي منه ولا خير فيه، ولايزال بين ما فرضه الله علينا من الكفاح وبين الواقع أمد بعيد والأمور إلي أوقاتها».
هذا الكلام نرجو أن يتمعن الدكتور محمد بديع فيه جيداً قبل أن يخرج علينا ليصدعنا بأن النظام الخاص أنشئ من أجل قتال الإنجليز علي ضفاف القناة.

المنشية عام 1954:

كان الإخوان قد وصلوا مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إلي طريق مسدود، وكانوا قد أعادوا تنظيم النظام الخاص كما سبق أن أشرنا، وفي اللحظة الحاسمة قرروا التخلص من عبدالناصر، ففي يوم 26/2/1954 وبمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء وقف الرئيس عبدالناصر يلقي خطاباً بميدان المنشية بالإسكندرية، وبينما هو في منتصف خطابه أطلق محمود عبداللطيف أحد كوادر النظام الخاص لجماعة الإخوان ثماني طلقات نارية من مسدس بعيد المدي باتجاه الرئيس ليصاب شخصان وينجو عبدالناصر، وحتي هذه اللحظة يصر الإخوان علي أن هذا الحادث لا يخرج عن كونه تمثيلية قام بها رجال الثورة للتخلص من الجماعة، ولكن المتهمين في المحكمة العلنية «محكمة الشعب» والتي كانت تذاع وقائعها علي الهواء مباشرة عبر الإذاعة المصرية قدموا اعترافات تفصيلية حول دور كل منهم ومسئولية الجماعة عن العملية «تم جمع هذه المحاكمات ونشرها بعد ذلك في جزءين بعنوان محكمة الشعب» وقد شكك الإخوان كثيراً في حيادية هذه المحكمة، لكنهم لم يعلقوا علي ما ورد علي لسان أبطال الحادث في برنامج الجريمة السياسية الذي أذاعته فضائية «الجزيرة» عبر حلقتين في الثاني والعشرين والتاسع والعشرين من ديسمبر عام 2006، والذي تفاخروا - من خلاله - بالمسئولية عن الحادث، وأنه تم بتخطيط شامل وإشراف دقيق لقيادات الجماعة.
> الفنية العسكرية وسبعينيات القرن الماضي:
بعد مجيء الرئيس الراحل أنور السادات إلي الحكم، قام بإطلاق سراح قادة الإخوان من السجون وأبرم معهم اتفاقاً يقضي بعدم العمل في السياسة فاتحاً صفحة جديدة مع الجماعة، وسرعان ما سعي كوادرها إلي ضم عدد من الشباب الذين اعتنقوا فكر سيد قطب الجهادي ليستخدموهم في محاولة جديدة لقلب نظام حكم الرئيس الراحل وهو ما عرف في حينها بقضية «الفنية العسكرية».. لقد كشف طلال الأنصاري أحد قادة التنظيم الذي حكم عليه بالإعدام ثم خفف الحكم إلي السجن المؤبد في مذكراته المعنونة «صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة - من النكسة إلي المشنقة» أنهم كانوا قد شكلوا تنظيماً سرياً بمدينة الإسكندرية عام 1968، وظل هذا التنظيم قائماً علي أن خرج الإخوان من السجون، حيث قادته الصدفة عن طريق أحد كوادر جماعة الإخوان المسلمين ويدعي «الشيخ علي» إلي التعرف علي زينب الغزالي التي قدمته بدورها إلي الإخواني العراقي صالح سرية، حيث فاتحه الأخير في الانضمام هو وتنظيمه إلي جماعة الإخوان ليكونوا نواة الجناح العسكري الجديد للجماعة.. ويضيف الأنصاري أنه بعد موافقته علي هذا الطرح رتبت زينب الغزالي للقاء يجمعه بالمرشد العام آنذاك أواخر عام 1972 المستشار حسن الهضيبي، وذلك بمنزله بحي منيل الروضة.
ويروي الأنصاري قصة بيعته للإخوان كاملة فيقول: «وحين سلم الأنصاري علي المرشد كان أشبه بمن أصابه مس من الذهول من هذا المشهد الذي لم يره قبلاً ولم يتعوده.. وبعدها جلس المرشد الذي لم ينطق بكلمة واحدة.. وكان الأقرب إليه مقعداً هو الشيخ علي الذي راح يلتقط أنفاسه.. ثم انطلق يشرح للمرشد ما فوجئ به في الإسكندرية من حركة الشباب المتعلقة بالإخوان، وقدم إليه الأنصاري كونه علي رأس هؤلاء الشباب، واسترسل يشرح حب هؤلاء الشباب للإخوان وولاءهم لهم وقراءاتهم لأدبياتهم، وانتظارهم لعودة الإخوان إلي الحياة العامة.. سكت الشيخ علي فجأة حيث ساد الصمت برهة، وانتبه الأنصاري إلي همس آت من ناحية الشيخ علي، لم يفهم منه سوي أمره له: امدد يدك.. فتصور أنه يأمره بالمصافحة والسلام.. فمد يده للمرشد.. فإذا بالمرشد ينتفض واقفاً، ثم يقبض يده بقوة علي يد الأنصاري الذي وجد نفسه يردد وراء الشيخ علي عبارات البيعة الإخوانية المعروفة: أبايعك علي السمع والطاعة في اليسر والعسر، وفي المنشط والمكره، والله علي ما أقول وكيل «أو شهيد فالله أعلم حيث تباعدت السنون».. وكانت دموع المرشد تنهمر في صمت نبيل وقد احتضن الأنصاري بقوة.. في حين كان الشيخ علي يقف متأثراً ودموعه لاتزال تسيل.. لم يدم اللقاء طويلاً ثم حيث خرج الشيخ علي ووراءه الأنصاري.
> صالح سرية يصبح همزة الوصل:
كان اللقاء الذي تم في رعاية وترتيب زينب الغزالي بداية مرحلة جديدة من تاريخ الجماعة.. وكانت أول تعليمات صالح سرية للشباب - وفق الأنصاري - «أنه هو وحده حلقة الوصل بالإخوان، وأنه اعتباراً من هذا التاريخ لابد أن يتواري أي دور ظاهر للإخوان، كما ينبغي عدم الإعلان عن أي صلة بهم، وتنفيذاً لذلك أعد صالح سرية سيناريو درب عليه الأنصاري لتنفيذه عند ظروف التحقيق الأمني بهدف إبعاد الإخوان عن أي صلة بالأحداث المقبلة.. كان السيناريو يهدف إلي إظهار أن معرفة صالح بالأنصاري تمت عن طريق آخر غير طريق الإخوان وزينب الغزالي.. كان البديل الذي رتبه صالح ينص علي أن الأنصاري قرأ حديثاً صحفياً أجرته مجلة مصرية مع صالح أثناء حضوره جلسات المؤتمر الوطني الفلسطيني في القاهرة عام 1968، وأنه أعجب به وسعي للقائه في فندق «كاربيه» بالقاهرة، حيث بدأت الصلة بينهما».
> الهضيبي يوافق علي خطة الفنية العسكرية:
ووفق الأنصاري «عرض صالح مجمل أفكاره بكل صدق ووضوح علي قيادات الإخوان وعلي رأسهم المرشد، وكما حكي صالح لرجاله فقد كتب مذكرة من خمسين صفحة للمرشد عرض فيها خطته لإدخال تجديد علي فكر الإخوان ليكون الوصول للسلطة بالقوة العسكرية خياراً أساسياً.. وذكر صالح لرجاله أن المرشد وافق علي مضمون المذكرة».
ويمضي الأنصاري في مذكراته ليذكر: «ليس منطقياً القول بأن تاريخ صالح سرية ونزوعه إلي الانقلاب والثورة كان خافياً علي الإخوان المسلمين في مصر!! لقد احتضنه الإخوان في مصر ورحبوا به!! والأهم من ذلك أن قام الإخوان وفي بيت من أقرب بيوتاتهم - بيت زينب الغزالي - بتقديم تنظيمهم الشبابي الوحيد في حينها إلي صالح سرية!! هذه نقاط لم يسبق أن طرحت من قبل، لأن أحداً لم يطرح هذه الوقائع الجديدة، ولذا يتعامل الإخوان مع هذه القصة الغريبة بحذر شديد حتي الآن، وقد أخفاها تماماً مؤرخوهم وكتابهم، بل قل إنهم قد تحاشوا جميعاً التعرض لهذه المسألة رغم مرور ثلث قرن عليها!! لكن الحقيقة أنه قد دارت العجلة، وتولي الدكتور صالح عبدالله سرية قيادة أول جهاز سري بايع الهضيبي شخصياً بعد محنة 65-66!!».
> نصيحة الإخوان للشباب «الإنكار التام»:
كانت خطة الإخوان المسلمين - كما يروي طلال الأنصاري - أن ينكر المتهمون كل ما نسب إليهم وأن يخفوا تماماً أية علاقة لهم بجماعة الإخوان المسلمين علي أن تقوم الجماعة بحملة قانونية وإعلامية كبري للدفاع عنهم، وفي شهادته يروي طلال الأنصاري بعد انقضاء خمسة وعشرين عاماً علي الحادث قضاها كاملة خلف الأسوار تقييمه الشامل لما حدث يقول الأنصاري: «مع اقتراب موعد المحاكمات أبلغ الأنصاري ابنه أنه قد اختار للدفاع عنه محامياً قديراً وشهيراً هو الأستاذ الكبير إبراهيم طلعت الذي حضر إلي السجن وقابل طلالا بالفعل.. كانت جماعة الإخوان المسلمين قد دخلت بهمة في الأمر وتولي رجالها إدارة عملية الدفاع وعبء المحامين.. ووضعت جماعة الإخوان خطة الدفاع وتولاها المحامون منهم ومن غيرهم.. فمن الإخوان كان أشهر محامين آنذاك الدكتور عبدالله رشوان الذي ألزم بقية طاقم الدفاع بخطة الدفاع التي تعتمد علي محورين: الأول في الوقائع والموضوع.. والثاني: سياسي.. ففي الوقائع كانت الخطة تعتمد علي إنكار التهمة ونفي محاولة الانقلاب وتصوير المسألة باعتبارها مؤامرة داخل عملية الصراع علي السلطة في مصر، وأن القصة هي أن مجموعة من طلبة الكلية الفنية العسكرية كانت تقيم ندوات دينية داخل مسجد الكلية ويحضرها زوار من خارج الكلية مدنيون، وأن المتآمرين استغلوا هذا للايقاع بهم.. وعندما حضر إبراهيم طلعت لمقابلة طلال واستفسر منه عن الحقيقة أكد له هذا التصور الذي قرره دفاع الإخوان.. «لكن الآن وبعد كل هذه السنوات واشتغال الأنصاري بالمحاماة فإنه يري أن خطة الدفاع هذه لم تكن موفقة من الناحية القانونية، وأنها حملت استخفافاً بالمحكمة لا يجوز.. وكان الأولي البحث عن طريق آخر.. لقد اعتمد الدفاع علي أن تاريخ العشرين سنة السابقة من خلال محاكمات الإخوان وغيرهم قد حفل بتلفيق القضايا من الأجهزة المتعددة، وبذلك يسهل إقناع المحكمة بأن مسلسل التلفيق مستمر.. إلا أن الأمر في هذه القضية كان مختلفاً كل الاختلاف، حيث كان واضحاً لمن يطالع الأوراق أو يتابع الأحداث أن هناك تنظيماً، وأنه تحرك بالفعل، ولم تكن هناك أية مؤامرة».